وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ــ يتناول حجة الإسلام والمسلمين محمد حسين أمين، الكاتب والباحث الديني، في مقالٍ خُصِّص لوكالة "أبنا" (ABNA)، العلاقة بين نمط الحياة الرقمي المعاصر والتعاليم الأخلاقية للنبي الأكرم(ص). ومن خلال الاستناد إلى الآيات القرآنية وروايات أهل البيت (عليهم السلام)، يناقش الكاتب كيف يؤثر الاستخدام المفرط للهواتف المحمولة وشبكات التواصل الاجتماعي على حضور الفرد داخل الأسرة، وإدارته لوقته، وصحة علاقاته الاجتماعية.
هل يتوافق نمط حياتنا الرقمي مع نهج النبي في الحياة؟
لعل أغرب مشهد في الحياة المعاصرة اليوم هو هذا:
عائلة تجتمع تحت سقف واحد، لكن كل فرد منها يعيش في عالم مختلف؛ فالأب منشغل بالرسائل، والأم تتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، والطفل غارق في لعبة أو مقطع فيديو، بينما تسللت الحوارات الحقيقية بهدوء خارج المنزل.
لا تكمن المشكلة في الهاتف بحد ذاته، بل في تلك اللحظة التي يتنازل فيها الإنسان -دون أن يشعر- عن زمام السيطرة على بصره وانتباهه ووقته وحتى علاقاته لصالح شاشة صغيرة. إن الإسلام لا يعادي التكنولوجيا؛ فالسؤال الجوهري في الإسلام يتمحور حول كيفية استثمار الإنسان لوقته وإرادته الحرة.
لو دخل النبي الأكرم (ص) بيوتنا اليوم، لا يمكننا الجزم بما سيقوله بشأن الهاتف، إذ لم يرد ذكر لهذا الموضوع في الروايات. ولكن استناداً إلى المبادئ المستمدة من القرآن الكريم والسيرة النبوية ونهج أهل البيت (عليهم السلام)، يمكننا استنتاج أنه -على الأرجح- لم يكن ليحذرنا من "الأداة" ذاتها، بل من "الاستعباد لتلك الأداة".
عندما يتحول الهاتف من أداة إلى سيدٍ للبيت
يُعد الهاتف المحمول أداةً في جوهره؛ إذ يمكن أن يكون وسيلة للتعليم، والتواصل مع العائلة، وإنجاز الأعمال، والبحث، ونشر المعرفة الدينية، والقيام بمهام مفيدة لا حصر لها. وتبدأ المشكلة حين تتحول هذه الأداة إلى سيدٍ للإنسان؛ أي عندما يفقد الفرد قراره بشأن متى يدخل إلى وسائل التواصل الاجتماعي ومتى يغادرها، لتصبح الإشعارات والرسائل والمحتوى اللامتناهي هي التي تقرر ذلك نيابةً عنه. يقول القرآن الكريم: «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا». تأخذ هذه الآية معنى أكثر جدية بكثير في عصر الشبكات الاجتماعية، لأن كل شخص يواجه اليوم طوفانًا هائلاً من الصور والأخبار والشائعات والتحليلات والترفيه طوال اليوم.
لذا، لا يمكن للمؤمن أن يتقبل أو يشارك كل ما يراه على شاشة هاتفه دون تمحيص؛ فليست كل صورة، ولا كل خبر، ولا كل عبارة جديرة بأن تدخل عقل الإنسان وقلبه. أحياناً، تعني التقوى في العصر الرقمي أن يحرص المرء على غذاء عقله وروحه تماماً كما يحرص على غذاء جسده.
"ما لا يعنيك": مبدأ نبوي لعصر شبكات التواصل الاجتماعي
من أدق التعاليم التي يمكننا الاستناد إليها في حياتنا الرقمية المعاصرة، ذلك التوجيه الصادر عن النبي الكريم (ص) بشأن تجنب الأمور غير المجدية. فقد ورد في رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام)، عن آبائه الكرام وصولاً إلى النبي الكريم (ص): «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ»
أي أن من علامات كمال إسلام المرء أن يترك ما لا يعنيه ولا يخصه.
تحمل هذه الرواية رسالةً متجددةً لإنسان العصر الحالي؛ فالكثير مما يشغل أذهاننا لساعات على شبكات التواصل الاجتماعي لا يمت لحياتنا بصلة في الجوهر: كالحياة الخاصة للآخرين، والجدالات الافتراضية التي لا تنتهي، وأخبار المشاهير الجانبية، والشائعات، والنقاشات العقيمة، وعشرات المواد والمحتويات التي لا نكاد نتذكرها بعد دقائق معدودة.
وتكمن المشكلة في أن ليس كل ما هو "مثير للاهتمام" بالضرورة "مهم"، وليس كل ما يحظى بجمهور واسع يستحق المشاهدة بالضرورة، كما أن ليس كل ما يشغل تفكيرنا يستحق وقتنا بالضرورة. ولعل من أهم صور التقوى الرقمية أن يسأل المرء نفسه: هل هذا الأمر الذي أنظر إليه يعنيني حقاً؟
ويقول الإمام علي (عليه السلام) أيضاً بعبارة بالغة الوضوح: «مَنْ اشْتَغَلَ بِمَا لَا يَعْنِيهِ، فَاتَهُ مَا يَعْنِيهِ» — أي أن من ينشغل بما لا يعنيه، يفوته ما يعنيه حقاً. ربما تكون هذه العبارة من أدق الأوصاف للحياة الرقمية المنفلتة من كل قيد: فكل دقيقة تُقضى في هوامش الإنترنت اللامتناهية قد تكون دقيقةً تُنتزع من العائلة، أو الدراسة، أو العبادة، أو تربية الأبناء، أو الحوار، أو راحة البال الشخصية.
بيتٌ يجتمع فيه الأفراد جسدياً، لكنهم يفتقدون الحضور الوجداني معاً
لعل أكبر خسارة يسببها نمط الحياة الرقمي ليست تراجع القراءة أو زيادة الوقت المهدور عبر الإنترنت، بل هي فقدان "الحضور". فالحضور يعني أننا ننصت بصدق حين يحدثنا شريك الحياة، وأننا نرفع أبصارنا عن شاشة الهاتف حين يخبرنا طفلنا بأمر ما، وأن والدينا لا يشعران -وهما بجوارنا- بأنهما في منافسة مع أشخاص موجودين في الفضاء الإلكتروني.
لقد قال النبي الكريم (ص): «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»؛ أي أن أفضلكم هو من يحسن معاملة أهله، وأنا خيركم في معاملة أهلي. ويُعد هذا الحديث معياراً مهماً لإعادة النظر في نمط حياتنا.
قد يكون المرء مهذباً للغاية، ونشيطاً واجتماعياً، بل ومقدماً لخدمات جليلة للآخرين خارج المنزل، ومع ذلك يراه أفراد عائلته شخصاً غير موجود معهم حقاً. فإذا كنا نخصص أجمل كلماتنا للفضاء الإلكتروني ونمنح جلّ اهتمامنا لأشخاص بعيدين، بينما لا تنال العائلة منا سوى الإرهاق والصمت ونظرة عابرة إلى شاشة الهاتف، فعلينا حينئذٍ أن نعيد النظر في المعنى الحقيقي لـ "الإحسان إلى العائلة".
في منظور النبي الكريم (ص)، لا تُعد العائلة جزءاً هامشياً من الحياة؛ فالمنزل هو موطن المودة والسكينة والمسؤولية. لذا، إذا أصبحت التكنولوجيا -بدلاً من تعزيز الروابط الأسرية- بديلاً تدريجياً للحوار ولتبادل النظرات وسماع الأصوات، فإن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في كيفية استخدامنا لها. قد تكون "التمرير اللانهائي" (Endless Scroll) مثالاً على "اللغو" في عصرنا الحالي
يصف القرآن الكريم إحدى سمات المؤمنين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾، أي أولئك الذين يعرضون عن اللغو، وهو الكلام أو الفعل العبثي الذي لا طائل منه. وقد فُسِّر اللغو في سياق هذه الآية بأنه الباطل وما لا فائدة فيه.
في الماضي، كان اللغو قد يعني الجلوس لساعات في مجلس لا طائل منه أو الخوض في حديث عقيم؛ أما اليوم فقد تغيرت صورته. إذ يتمثل اللغو أحياناً في ذلك "التمرير اللانهائي" للمحتوى؛ حيث ينتهي مقطع أو منشور ليظهر آخر على الفور، دون أن يدرك المرء حتى السبب الذي دفعه لفتح التطبيق في المقام الأول.
وبالطبع، ليست كل أشكال الترفيه تُعدُّ لغواً، فالإسلام لا يعارض البهجة المباحة والترويح المشروع عن النفس، وإنما تكمن المشكلة في فقدان السيطرة؛ فإذا فتح المرء وسائل التواصل الاجتماعي بقصد الترفيه ثم تركها جانباً بعد حين، تظل الأداة خاضعة لإرادته، أما إذا فتحها بلا هدف وخرج منها دون إرادة واعية، فعليه أن يراجع نمط حياته.
في الحقيقة، السؤال الجوهري ليس عن عدد الساعات التي نقضيها يومياً في استخدام الهاتف، بل السؤال الأعمق هو: ماذا كسبنا وماذا خسرنا خلال تلك الساعات؟ هل ازددنا معرفةً، أم أن أذهاننا باتت أكثر تشتتاً وازدحاماً؟ هل توطدت علاقاتنا، أم أن ما ازداد هو مجرد عدد الأسماء في قائمة جهات الاتصال؟ هل اقتربنا أكثر من عائلاتنا، أم حلّ الأشخاص الافتراضيون محل أقرب الناس إلى حياتنا؟
من المؤكد أن النبي (ص) لم يكن لينتزع الهاتف من أيدينا
لو كان النبي الكريم (ص) بيننا اليوم في بيوتنا، لما جاز لنا اختلاق كلمات والادعاء بأنه "كان سيأمرنا حتماً بوضع الهاتف جانباً"؛ فمثل هذا القول يتطلب روايةً موثوقة، ولا ينبغي لنا أن ننسب إليه كلاماً لم يقله.
ولكن، استناداً إلى تعاليمه الثابتة، يمكننا طرح تساؤلات أخرى: هل جعلك هذا الجهاز غافلاً عن عائلتك؟ هل تشاهد ما لا ينبغي مشاهدته؟ هل تشارك محتوىً لست متأكداً من صحته؟ هل تضيع ساعات عمرك في أمور لا تعود عليك بأي نفع؟ وهل ينصرف انتباهك إلى مكان آخر حين يتحدث إليك أحباؤك؟
ربما لا تكمن مشكلتنا اليوم في كثرة النظر إلى الهاتف؛ بل تكمن في أننا أحياناً نحدق في الشاشة طويلاً لدرجة أننا نكف عن رؤية الأشخاص الماثلين أمامنا.
كما أن الحل لا يكمن بالضرورة في التخلي عن التكنولوجيا؛ إذ يجب استعادة زمام السيطرة لتكون بيد الإنسان. علينا تخصيص أوقات للعائلة تخلو من الهواتف، ووضع الهاتف جانباً أثناء الحوارات الجادة، وحذف المحتوى غير المفيد بلا تردد، والتحقق من دقة الأخبار قبل مشاركتها، وأن نسأل أنفسنا في كل مرة: "هل يعنيني هذا المحتوى حقاً؟"
ربما لو كان النبي الكريم (ص) في بيوتنا اليوم، لما انتزع الهواتف من أيدينا، بل كان سيودّ منا أن ننظر في عيون بعضنا البعض من جديد.
لأن نمط الحياة الإسلامي في العصر الرقمي يعني، في نهاية المطاف، أن تكون التكنولوجيا في خدمة الإنسان لا أن يكون الإنسان في خدمة التكنولوجيا؛ ويعني مزيداً من التواصل لا مزيداً من العزلة، ومزيداً من الوعي لا مزيداً من التخبط والارتباك. ومنزلٌ يظلُّ مكاناً يكون فيه أفراد الأسرة -حين يجتمعون- "معاً" حقاً.
محمد حسين أمين / كاتب وباحث ديني
تعليقك